تجربة متسوقي الخضار والفواكه أمام تحديات تنظيمية تستحق المعالجة

في قلب الحركة التجارية بمكة المكرمة، تبرز حلقة الخضار والفواكه كإحدى الوجهات التي تجمع بين النشاط التجاري الكثيف والحركة اليومية للمتسوقين، في مشهد تتداخل فيه عمليات البيع والشراء مع حركة نقل المشتريات، وتجمعات العمالة، وحركة المركبات، الأمر الذي يضع تجربة المتسوق أمام عدد من التحديات التنظيمية التي تستحق المعالجة، خصوصًا مع أهمية مكة بوصفها مقصدًا عالميًا يقصده ملايين الزوار والمعتمرين من داخل المملكة وخارجها، ومن أبرز المشاهد التي تلفت الانتباه داخل السوق انتشار نحو 250 عربة حديدية تقليدية، يستخدمها العاملون لنقل مشتريات المتسوقين، من مواقع البيع إلى المركبات أو نقاط الخروج، ورغم الدور الخدمي الذي تؤديه هذه العربات، فإن كثافتها وطريقة تشغيلها في الممرات ومناطق الحركة تحولت، بحسب مشاهدات  ميدانية، إلى أحد مصادر الازدحام والمضايقة ورفع مستوى الضوضاء داخل السوق.

عربات تخدم المتسوق.. وتعيق الحركة

العربات الحديدية، بسلاسلها المتدلية، وضجيج إطاراتها، وشكلها المتواضع، تؤدي وظيفة مهمة في سوق يعتمد على شراء كميات متفاوتة من الخضار والفواكه، ولا سيما للعائلات وأصحاب المشتريات الكبيرة. إلا أن العدد الكبير للعربات وتزامن حركتها مع كثافة المتسوقين ، خصوصًا خلال أوقات الذروة، مما يخلق نقاط اختناق في الممرات، بفعل الحركة التي لا تهدأ لأصحابها من العمالة الوافدة، حيث تبلغ معاناة المتسوقين الذروة، في المرور الصعب، وتحاشي صدماتها لهم، واستفزاز العمالة بتكرار كلمة "عربية" للفوز بالخدمة، وتتحرك العربات بين البسطات والممرات ومخارج السوق، فيما يلجأ بعض العاملين إلى المناداة على المتسوقين أو محاولة استقطابهم لتقديم خدمة نقل المشتريات، ما يضيف إلى المشهد قدرًا من الضوضاء والتدافع والمضايقات، ولا تتوقف المشكلة عند العربة ذاتها، وإنما تمتد إلى طريقة تنظيم الخدمة؛ فغياب مسارات واضحة ومناطق انتظار وتحميل وتفريغ محددة يجعل العربة جزءًا من حركة عشوائية تتقاطع فيها حركة المشاة مع العاملين والمركبات.

المشهد العام

متسوقون قالوا لـ" الرياض" أنه مع التطور الذي شهدته مرافق التسوق الحديثة، تبدو الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في النموذج التقليدي لعربات نقل المشتريات، ليس بالضرورة بإلغاء الخدمة، وإنما بتطويرها وتحويلها إلى خدمة نقل حديثة ومنظمة.

ومن المقترحات المطروحة في هذا السياق استحداث عربات حديثة خفيفة الوزن، ذات تصميم موحد، وحجم مناسب للممرات، توفر الخدمة الذاتية أو بالعامل برسوم محددة، لتجاوز مشكلة تفاوت الأسعار.

وجانب آخر يبرز في المشهد الميداني يتمثل في تجمع أعداد من العمالة داخل وحول السوق، ولا سيما بالقرب من نقاط الدخول والخروج، ويلاحظ أن بعض العاملين يتخذون من بوابات السوق مواقع لاستقبال المترددين ومحاولة تقديم خدمات نقل المشتريات، وهو ما يؤدي إلى زيادة الكثافة البشرية عند المداخل ويجعل المتسوق يواجه منذ لحظة وصوله إلى السوق عددًا من مقدمي الخدمة الذين يتنافسون على استقطابه.

أول انطباع يحتاج إلى إعادة ترتيب

ويرى مشهور الهذلي، أن  بوابات الأسواق تعد من أهم عناصر تجربة الزائر؛ فهي نقطة الالتقاء الأولى بين المتسوق والمرفق، وفي حالة حلقة الخضار والفواكه بمكة ، فإن تكدس مقدمي خدمات نقل المشتريات حول البوابات وعلى طول الممرات قد يجعل عملية الدخول والخروج أكثر صعوبة، خصوصًا لكبار السن والعائلات والأشخاص الذين يحملون مشترياتهم بأنفسهم، ومن هنا تبرز أهمية إعادة تصميم نقاط استقبال المتسوقين، بحيث تكون هناك منطقة واضحة لخدمات العربات، بعيدًا عن الممر الرئيسي للداخلين والخارجين، مع نظام طلب منظم للخدمة بدلاً من الاعتماد على الاستقطاب المباشر.

أزمة مواقف السيارات

"جولة الرياض" كشفت أنه لا يمكن فصل تجربة السوق الداخلية عن مشكلة أخرى تسبقها، وهي صعوبة العثور على موقف للسيارة في أوقات الذروة، فالمتسوق المتردد كثيراً ما يستغرق وقتًا طويلًا في البحث عن موقف ثم يجد نفسه أمام حركة كثيفة عند بوابات السوق، قد يبدأ تجربة التسوق في حالة من التوتر قبل أن يصل أصلًا إلى مناطق البيع، وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تتداخل حركة السيارات مع حركة عربات نقل المشتريات والعمالة والمشاة، مما يجعل محيط السوق منطقة تحتاج إلى معالجة مرورية متكاملة، وليس مجرد زيادة عدد المواقف.

والتحدي الحقيقي لا يتعلق بعربة أو موقف أو تجمع عمالة منفردًا، وإنما بكيفية إعادة تصميم تجربة السوق بالكامل، فإذا كانت حلقة الخضار والفواكه بمكة الكرمة ، تستهدف المحافظة على دورها التجاري وتطوير حضورها كوجهة تسوق تستقطب سكان مكة والزوار والمعتمرين، فإن تطوير الخدمات المساندة يصبح جزءًا أساسيًا من عملية التطوير.

مكة تستحق تجربة تسوق مختلفة

خصوصية مكة المكرمة تفرض وجود مستوى أعلى من الاهتمام بتجربة الزائر، فالسوق لا يخدم سكان المدينة وحدهم، وإنما يتعامل أيضًا مع زوار ومعتمرين من جنسيات وثقافات متعددة، ومن هذا المنطلق، فإن تحديث خدمات سوق الخضار والفواكه لا ينبغي النظر إليه باعتباره معالجة لمشكلة عربات فقط، بل باعتباره جزءًا من تطوير تجربة متكاملة للزائر والمتسوق تبدأ من موقف السيارة، مرورًا بالبوابة، ثم عملية التسوق ونقل المشتريات، وانتهاءً بتحميلها ومغادرة السوق.

ويبقى السؤال المطروح : هل يمكن تحويل نحو 250 عربة حديدية من مصدر للازدحام والضجيج؟، إلى نموذج خدمة حديثة ومنظمة تعكس صورة مكة كوجهة عالمية؟ فالتطوير لا يعني إلغاء ما اعتاد عليه السوق، وإنما إعادة تقديمه بصورة أكثر كفاءة وراحة وتنظيمًا، وبما يتناسب مع مكانة مكة وحجم الحركة التي تستقبلها.

المصدر: الرياض - اقتصاد