بعد سنوات من الجدل حول مدى سرعة تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، تبحث كندا الآن عن سبل لزيادة إنتاجها وتصديرها لهذا الوقود. ويأتي هذا التحول مدفوعاً بصدمتين جيوسياسيتين، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سبباً في كلتيهما؛ الأولى هي "حرب التعريفات الجمركية" التي اندلعت في مطلع ولاية ترامب الثانية، والتي كشفت عن مخاطر الاعتماد المفرط على شريك تجاري واحد، أما الثانية فهي الحرب الأمريكية مع إيران، التي ذكّرت الدول المستوردة للطاقة بمخاطر الاعتماد الكبير على منطقة واحدة، لا سيما إذا كانت منطقة تتسم بعدم الاستقرار.
وتدفع هذه التطورات أوتاوا إلى تبني دور جديد يتمثل في كونها مورداً رئيسياً للطاقة؛ وهو دور لطالما بدت كندا مترددة في الاضطلاع به، رغم امتلاكها موارد طبيعية هائلة، وفي سعيها لتوسيع تحالفاتها التجارية، تستخلص كندا دروساً من التجربة السعودية المتميزة في إدارة استثمارات الطاقة ولاسيما قطاع النفط عبر سلسلة عقود من الزمان، ويأتي حلم خطوط الأنابيب شرق غرب الذي يربط الخليج العربي بالبحر الأحمر كأحد أبرز الأمثلة للإدارة السعودية الناجحة والنظرة الثاقبة لافق المستقبل. أدركت المملكة العربية السعودية أهمية التخطيط الاستباقي قبل نحو أربعة عقود.
ففي أعقاب الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، أنشأت السعودية خط أنابيب "شرق-غرب" الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر (746 ميلاً)، ويربط حقول النفط في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، وقد صُمم هذا المشروع لضمان استمرار تدفق صادرات النفط الخام، حتى في حال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز - الذي يُعد أكثر الممرات البحرية عرضة للمخاطر في منطقة الخليج.
لسنوات، بدا خط الأنابيب هذا بمثابة بوليصة تأمين باهظة التكلفة ضد تهديدٍ لم يكن من المتوقع أن يتحقق. ولكن، وكما هو الحال مع أي بوليصة تأمين جيدة، فقد أثبتت قيمتها حين وقعت الكارثة، فعندما أغلقت إيران مضيق هرمز فعلياً، بُعيد بدء الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير، واجه العديد من منتجي الطاقة في الخليج صعوبات بالغة.
إلا أن المملكة تمكنت من إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها عبر البحر الأحمر، مما ساعد في الحيلولة دون وقوع صدمة عالمية أشد وطأة في قطاع الطاقة، وقد التقطت كندا هذه الإشارة بوضوح، فقد أعلن رئيس الوزراء مارك كارني، في وقت سابق من هذا الشهر، أن كندا ستسرّع إجراءات الموافقة على مسار تصدير بديل خاص بها، وهو خط أنابيب "باسيفيك لينك"؛ وهو خط تبلغ طاقته التصديرية مليون برميل يومياً، ويربط مركز النفط في مقاطعة ألبرتا بالساحل الغربي.
ومن المقرر أن يتبع خط الأنابيب هذا، إلى حد كبير، مسار نظام "ترانس ماونتن" القائم حالياً -والذي تبلغ طاقته 890 ألف برميل يومياً- مما سيتيح الوصول إلى الأسواق الآسيوية والساحل الغربي للولايات المتحدة، ويضاعف في الوقت ذاته القدرة التصديرية لكندا عبر ساحلها الغربي، وكانت مقترحات سابقة لإنشاء خطوط أنابيب قد واجهت معارضة شرسة من جماعات بيئية وأخرى تمثل السكان الأصليين، مما أدى إلى تأخيرها أو إلغائها. لكن أوتاوا تبدو عازمة على المضي قدماً هذه المرة؛ حيث صرح وزير الطاقة، تيم هودجسون، بأن من المتوقع بدء أعمال الإنشاء في سبتمبر المقبل.
وتقدر الحكومة تكلفة المشروع بما يتراوح بين 35.2 مليار دولار كندي (25.1 مليار دولار أمريكي) و43.7 مليار دولار كندي، ومن المتوقع أن يتحمل دافعو الضرائب الجزء الأكبر من هذه التكلفة.
وفي هذا السياق، يقول روري جونستون، مؤسس شركة "كوموديتي كونتيكست" الاستشارية ومقرها تورونتو: "إن الإنفاق على الأمن لا يُعد استخداماً منتجاً للموارد، لكنه للأسف أصبح أمراً ضرورياً في الوقت الراهن". وبعبارة أخرى، تحتاج كندا إلى بوليصة تأمين خاصة بها.
نقطة ضعف كندا
وعلى عكس المملكة، لا تكمن نقطة ضعف كندا في ممر بحري حيوي، بل في اعتمادها على مشترٍ واحد فقط، تُعد كندا رابع أكبر منتج للنفط في العالم، حيث بلغ إنتاجها أكثر من 6 ملايين برميل يومياً في عام 2025، يأتي معظمها من الرمال النفطية في مقاطعة ألبرتا، وتُعالج غالبية هذه الكميات في مصافي تكرير تقع في الغرب الأوسط الأمريكي، وهي مصافٍ مجهزة خصيصاً للتعامل مع النفط الخام الكندي الثقيل، ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة فعلياً الزبون الوحيد لكندا، حيث تستوعب نحو 90% من صادراتها النفطية. ولعقود طويلة، كان هذا الترتيب يحقق نتائج جيدة؛ فقد حظي المنتجون الكنديون بإمكانية الوصول إلى سوق ضخمة، بينما استفادت مصافي التكرير الأمريكية من إمدادات مستقرة وبأسعار مخفضة.
لكن تدهور العلاقات الأمريكية-الكندية على مدى العامين الماضيين كان بمثابة جرس إنذار لأوتاوا. ففي أغسطس، فرضت واشنطن رسوماً جمركية بنسبة 50% على واردات كندية بقيمة 20 مليار دولار، وذلك بعد انهيار المفاوضات التجارية، مما دفع كندا إلى اتخاذ تدابير انتقامية؛ رغم أن ترمب صرح يوم الأحد بأن التوصل إلى اتفاق بين البلدين بات قريباً.
ورغم أن قطاع الطاقة قد نجا من أقسى التدابير الجمركية، إلا أن اعتماد كندا الكبير على جارتها الأكثر ثراءً يلقي بظلاله على أي مفاوضات تجارية. وهكذا، تماماً كما أعادت أوروبا تقييم اعتمادها على الغاز الروسي في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تعكف كندا الآن على إعادة تقييم المخاطر المترتبة على توجيه كل صادراتها النفطية تقريباً إلى دولة واحدة، حتى وإن كانت حليفاً وثيقاً.
وقال وزير الطاقة الكندي، تيم هودجسون: "نحن لا نعتزم تقليص حجم تجارتنا مع الولايات المتحدة، بل نسعى ببساطة إلى توسيع نطاق تجارتنا بشكل أكبر مع أطراف أخرى"، وتُعد كندا خياراً مثالياً في هذا السياق. فهي تمتلك احتياطيات ضخمة، ونظاماً تنظيمياً مستقراً، والأهم من ذلك، منفذاً مباشراً على المحيط الهادئ. إذ يمكن لشحنات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تنطلق من الساحل الغربي لكندا الوصول إلى كبار المستهلكين في آسيا -مثل الصين واليابان- في غضون أسبوعين تقريباً، وهي مدة أقصر بكثير مقارنة بالشحنات القادمة من الساحل الشرقي.
كما أصبح المصدرون الكنديون في وضع أفضل للوصول إلى الأسواق الخارجية، وذلك بفضل توسعة خط أنابيب "ترانس ماونتن" في عام 2024، وبدء تشغيل منشأة "إل إن جي كندا" -التي تقودها شركة "شل"- على ساحل المحيط الهادئ في العام الماضي.
وتسعى أوتاوا أيضاً إلى تحفيز النمو من خلال مجموعة من التدابير الضريبية والتنظيمية، إلى جانب مشاريع إضافية لخطوط الأنابيب. ووفقاً لهودجسون، قد يرتفع إنتاج كندا من النفط بمقدار يتراوح بين 2 مليون و2.5 مليون برميل يومياً على مدى السنوات الخمس إلى السبع القادمة، بينما قد تصل صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى 50 مليون طن متري سنوياً بحلول عام 2030، ارتفاعاً من نحو 14 مليون طن سنوياً في الوقت الراهن.
وقد يكون هذا الطموح مبالغاً فيه، إذ يتوقع جونستون، من شركة "كوموديتي كونتيكست"، أن ينمو إنتاج النفط بوتيرة أكثر تواضعاً، تتراوح بين 100 ألف و150 ألف برميل يومياً سنوياً على مدى العقد المقبل، وذلك في ظل تردد شركات النفط في الاستثمار بكثافة في قدرات إنتاجية جديدة، في وقت لا تزال فيه آفاق أسعار النفط تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.
كما يواجه النفط الكندي تحديات تتعلق بالتكلفة، فنحو ثلاثة أرباع الخام الكندي عبارة عن نفط ثقيل يشبه القار (البيتومين)، والذي يتطلب تخفيفه بمواد أخرى قبل نقله ومعالجته في المصافي. وعادة ما تُباع هذه الأنواع الأقل جودة بأسعار أدنى مقارنة بالنفط الخفيف.
المصدر: الرياض - اقتصاد