تؤكد أزمة مضيق هرمز أهمية الدور الاقتصادي الذي تؤديه المملكة في دعم استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، مستندةً إلى موقعها بين الخليج العربي والبحر الأحمر، وما تمتلكه من بنية تحتية ومسارات بديلة لنقل النفط والبضائع. وقد أسهم خط أنابيب شرق - غرب وموانئ الساحل الغربي في تعزيز خيارات الإمداد، فيما تواصل المملكة دعم الحلول الدبلوماسية والتعاون الدولي لحماية حرية الملاحة. ومع التطورات المتسارعة في الممرات البحرية، تتجه الأنظار إلى أثر هذه البدائل في الحد من اضطراب التجارة العالمية وتعزيز مرونة الاقتصاد.
وتضع التطورات المتسارعة في مضيق هرمز أمن الطاقة والتجارة العالمية أمام اختبار بالغ الحساسية، إذ يمر عبره ما يزيد على ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، فيما تتجاوز تدفقات النفط والمنتجات البترولية العابرة للمضيق 20 مليون برميل يوميًا. ويعني أي اضطراب في هذا الممر أن أثره يتجاوز دول المنطقة إلى الأسواق العالمية، من خلال انعكاسه على تدفق الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وانتظام سلاسل الإمداد، وأسعار السلع المرتبطة بها.
وفي عام 2024، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق 20.7 مليون برميل يوميًا، بما يعادل نحو خُمس استهلاك العالم من النفط والسوائل البترولية، وأكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية. كما مر عبره قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وكان معظمها من قطر. واتجهت إلى الأسواق الآسيوية 84% من شحنات النفط الخام والمكثفات التي عبرت المضيق، و83% من شحنات الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل الاقتصادات الآسيوية الأكثر تعرضًا لتأثر الإمدادات عند تعطل الحركة.
ولا تقتصر أهمية المضيق على ناقلات النفط؛ فحركة السفن التجارية فيه تشمل ناقلات الحاويات والبضائع السائبة وسفن الشحن الأخرى. ووفق بيانات الأونكتاد، شهد المضيق في منتصف يونيو 2025 متوسطًا بلغ 144 عبورًا للسفن يوميًا، شكّلت الناقلات 37% منها، أي نحو 53 عبورًا لناقلة يوميًا بحساب تقريبي. ولا تحدد هذه الأرقام جنسيات الناقلات أو ملكيتها، لكنها توضح كثافة الحركة البحرية وحجم النشاط التجاري الذي يمر عبر هذا الممر.
ويعني تعطّل العبور أو ارتفاع المخاطر البحرية إطالة بعض الرحلات أو تغيير مساراتها، وزيادة الحاجة إلى التأمين البحري، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والتخزين. وتنعكس هذه التكاليف على الشركات والمستوردين والمصدرين، وقد تنتقل إلى أسعار السلع النهائية، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على الطاقة أو المواد الأولية المستوردة. كما أن تأخر السفن يربك مواعيد التسليم والإنتاج، ويزيد الضغط على الموانئ البديلة وشبكات النقل البري والسككي، ما يجعل أمن الملاحة عنصرًا مؤثرًا في استقرار الاقتصاد العالمي، لا ملفًا عسكريًا أو إقليميًا فحسب.
وتبرز المملكة في هذا المشهد بوصفها مصدرًا رئيسًا للطاقة، وبلدًا يمتلك بنية تحتية تتيح نقل جزء من النفط إلى الساحل الغربي عبر خط أنابيب شرق–غرب. وتبلغ الطاقة التشغيلية الكاملة للخط نحو 7 ملايين برميل يوميًا، وفق وزارة الطاقة، التي أعلنت في أبريل 2026 استعادة طاقته بعد تأثر الضخ بنحو 700 ألف برميل يوميًا نتيجة استهدافات طالت مرافق الطاقة. ويمنح هذا المسار المملكة خيارًا لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، بما يعزز مرونة الإمدادات ويحد من الاعتماد الكامل على مسار واحد.
وبالتوازي مع البنية النفطية، تمثل موانئ الساحل الغربي ركيزة مهمة لحركة الحاويات والبضائع. وتبلغ طاقتها الاستيعابية 18.6 مليون حاوية قياسية سنويًا، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن جاهزية الموانئ، وتشمل ميناء جدة الإسلامي، وميناء الملك عبدالله، وموانئ ينبع وجازان. وتدعم هذه الموانئ حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، وترتبط بشبكات الطرق والخدمات اللوجستية التي تتيح نقل البضائع من الموانئ إلى المدن والمناطق الصناعية.
وتعمل الهيئة العامة للموانئ "موانئ" على تعزيز الربط الملاحي وتوسيع خيارات الشحن، ومن ذلك خط البحر الأحمر السريع للحاويات، الذي تبلغ طاقته 1,100 حاوية قياسية، ويربط ميناء جدة الإسلامي بميناء الملك فهد الصناعي في ينبع، ويتصل بميناءي العقبة في الأردن والعين السخنة في مصر. ويسهم هذا الربط في دعم نقل الحاويات بين الموانئ، وإتاحة مسارات إضافية للصادرات الوطنية والواردات، وتعزيز التكامل التجاري الإقليمي. كما تستهدف مبادرة الممرات اللوجستية استقبال حاويات وبضائع محوّلة من موانئ المنطقة الشرقية ودول الخليج إلى موانئ البحر الأحمر، بما يدعم استمرارية تدفق السلع في ظل تغير مسارات الشحن. وفي الجانب السياسي والدبلوماسي، تؤكد المواقف السعودية أهمية معالجة التوترات بالحوار والوساطة وخفض التصعيد، إلى جانب حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي. ودعت وزارة الخارجية إلى التهدئة وضبط النفس ودعم الجهود الدبلوماسية، وشددت على ضرورة عودة الملاحة في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي وضمان مرور السفن بأمن وسلامة. كما أكدت المملكة، عبر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، أن أي تهديد للملاحة في المضيق ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق وسلاسل الإمداد، داعية إلى تحرك دولي منسق يمنع تفاقم الأزمة ويحمي تدفق السلع والطاقة.
ويتكامل هذا النهج مع ما أكده الفريق الركن فهد الغفيلي، نائب رئيس هيئة الأركان العامة، في منتدى "حوار المنامة"، من أن البحار ينبغي أن تكون جسورًا للتواصل والازدهار، وأن المضائق الدولية يجب أن تبقى ممرات آمنة للملاحة، لا أدوات للضغط السياسي أو العسكري. وأشار إلى أن أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة مسؤولية دولية مشتركة، وهو ما يضع حماية التجارة والطاقة ضمن مسؤولية تتطلب تعاون الدول وتغليب الحوار واحترام القانون الدولي.
وتكشف الأرقام أن مضيق هرمز يمثل شريانًا بالغ الأهمية للطاقة والتجارة، وأن تداعيات أي اضطراب فيه تصل إلى الأسواق وسلاسل الإمداد عالميًا. وفي المقابل، توفر موانئ المملكة على البحر الأحمر وخط شرق - غرب والممرات اللوجستية خيارات داعمة لاستمرارية تدفق النفط والبضائع. وتبقى فاعلية هذه البدائل مرتبطة بكفاءة التشغيل، وتكامل النقل البحري والبري، والتنسيق الدولي الذي يحفظ أمن الممرات ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.
قوة اقتصادية
وشدد خبراء لـ"الرياض" على أن تداعيات التوترات في مضيق هرمز تتجاوز أسواق الطاقة، لتطال حركة التجارة وسلاسل الإمداد وتكاليف النقل والتأمين، مؤكدين أن تنويع المسارات البحرية ورفع جاهزية الموانئ والبنية اللوجستية يمثلان عاملًا مهمًا في تعزيز مرونة الاقتصاد، والحد من آثار اضطراب الممرات الدولية.
وقال أستاذ الإدارة الدولية والموارد البشرية والمشاريع بجامعة الملك فيصل د. محمد القحطاني لـ"الرياض": “الأزمة الحالية هي أزمة مضايق وممرات، ولم يقتصر تأثيرها على المنطقة، بل امتد إلى العالم؛ إذ تأثرت دول في أوروبا والولايات المتحدة، حتى إن الولايات المتحدة، رغم أنها من أكبر مصدري النفط، تواجه ضغوطًا في سوق الديزل. ولذلك فإن تقييم المخاطر لا ينبغي أن يعتمد على حجم التصعيد السياسي وحده، بل على ثلاثة مؤشرات رئيسة: عدد السفن العابرة، وعلاوة التأمين ضد مخاطر الحرب، وتكلفة الشحن.
وتابع "يظل التأمين مؤشرًا مهمًا على تقدير السوق لمستوى الخطر؛ فقد يُعلن سياسيًا أن الممر مفتوح، لكن استمرار ارتفاع كلفة التأمين يعكس مخاوف السوق. وفي مضيق هرمز، تراجعت تدفقات النفط، بحسب تقديرات، إلى 2.7 مليون برميل يوميًا خلال مارس وأبريل ومايو 2026، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة. وارتفعت علاوة مخاطر الحرب من مستويات تراوحت بين 1 و3% إلى مستويات قُدّرت بين 7.5 و10% من قيمة السفينة”. مضيفًا "تنتقل تداعيات الأزمة إلى فاتورة المستهلك في آسيا وأوروبا عبر ثلاث قنوات. أولها الطاقة والتضخم؛ فارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا، وقد رفع غولدمان ساكس توقعاته لأسعار النفط في نهاية 2026 و2027، مع توقع استمرار اضطرابات الشحن. وحتى بعد انتهاء الأزمة، قد تستغرق عودة حركة الإمدادات إلى طبيعتها أشهرًا". وتابع "القناة الثانية هي التأمين والشحن؛ إذ تُحمّل تكاليف التأمين الإضافية على البضائع، فيما قفزت تكلفة استئجار الناقلات العملاقة إلى تسعة أضعاف مستوياتها القياسية، مع احتمال استمرار الزيادة إذا بقيت المخاطر قائمة”.
وأشار إلى أن القناة الثالثة تتمثل في إعادة رسم مسارات التجارة، موضحًا أن “الشركات باتت تدرك أن الممر الأقصر ليس دائمًا الأقل تكلفة، ولذلك تتجه إلى تنويع المسارات والموانئ وزيادة المخزون. كما تبحث الدول عن بدائل للتخزين والإمداد؛ ومن ذلك الاتفاق السعودي السنغافوري، الذي يتضمن منطقة تخزين في جزيرة، بطاقة تصل إلى 8.9 ملايين برميل، لتغذية اليابان وأسواق آسيوية أخرى”.
وتابع: "للمملكة دور اقتصادي إيجابي في التعامل مع الأزمة، رغم أنها ليست طرفًا فيها، لكنها من الدول التي تتلقى تداعياتها. فقد عمل خط أنابيب شرق–غرب بكامل طاقته، ووصلت الإمدادات المنقولة عبره إلى نحو خمسة ملايين برميل يوميًا من ينبع، بما يعوض قرابة ثلاثة أرباع الصادرات السعودية قبل الحرب"، مشيرا إلى أن الخبراء يرون أن تشغيل الخط أسهم في الحد من الضغوط على أسعار الطاقة عالميًا؛ فلولا هذا المسار لكانت الأسعار مرشحة لمستويات أعلى.
وأضاف "أن الحلول المؤسسية والتعاون الدولي مهمان، ومن ذلك بحث إنشاء مجمعات تأمين لمخاطر الحرب البحرية، وتعزيز التحالفات المعنية بحماية الملاحة. والمملكة، بحكم موقعها المطل على الخليج العربي والبحر الأحمر وارتباطهما بعمق بري، تمثل جسرًا لوجستيًا بينهما، بما يمنحها خيارات أوسع من الاعتماد على مضيق واحد”. وتابع "المضايق قد تصنع الأزمات، لكن الدول الذكية تصنع البدائل. وقد حولت المملكة جغرافيتها من نقطة انكشاف إلى ميزة استراتيجية”.
وعن دور المملكة أكد د. محمد الشهاب المستشار عضو اللجنة الوطنية للصادرات أن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز ووصول تداعياتها للعالم بأسره، لم تمنع السعودية من تحقيق إنجازات جديدة، للوفاء بالتزامات ومتطلبات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية وتحقيق مُستهدفاتها، وترسيخ موقع المملكة على الصعيدين الاستثماري واللوجستي، إضافة إلى تنمية الصادرات والواردات الوطنية غير النفطية وجذب الاستثمارات.
وبيّن أن الطلب على خدمات الموانئ السعودية على الساحل الغربي ظل يشهد ارتفاعًا مطّردًا منذ بداية عام 2026، مدفوعًا بزيادة حركة الشحن العابر، وتحويل مسارات البضائع نتيجة الاضطرابات، واستحداث واستقطاب مزيد من الخطوط الملاحية، وزيادة الطاقة الاستيعابية لتلك الموانئ، ما ساعد في استيعاب التدفقات الإضافية من السفن والحاويات، والحدّ من التأخيرات التشغيلية.
ومع اتجاه شركات الشحن والخدمات اللوجستية والنقل إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة، تعزّز الطلب على خدمات الموانئ السعودية، خصوصًا على الساحل الغربي، وهو ما رفع في المقابل تكلفة نقل البضائع، بفعل ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وإطالة فترات الرحلات وازدحام بعض الموانئ، إلا أن ذلك لم يمنع من وصول الطاقة الاستيعابية لموانئ المملكة على الساحل الغربي إلى أكثر من 18.6 مليون حاوية، والاستحواذ على حصة 64% من إجمالي الطاقة الاستيعابية لموانئ المملكة.
وأشار الشهاب إلى أن بدء الهيئة العامة للموانئ "موانئ" تشغيل خط البحر الأحمر السريع للحاويات في ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع، بطاقة استيعابية تبلغ 1,100 حاوية قياسية مؤخرًا، يساعد فعليًا في تعزيز تنافسية خدمات موانئ المملكة وتطوير عملياتها، بما يتيح فرصًا تشغيلية واستثمارية جديدة، ويسهم في رفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتوسيع خيارات الربط الملاحي للمستفيدين، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي إقليمي.
وأكد على ما يتمتع به ذلك الميناء من كفاءة تشغيلية عالية، منوّهًا بدور الخط الملاحي الجديد في تعزيز النقل الساحلي لسفن الحاويات بين ميناء جدة الإسلامي وميناء الملك فهد الصناعي بينبع، وربط الميناءين مع ميناءي العقبة في الأردن وعين السخنة في مصر، ما يدعم فتح مسارات مباشرة لشحن وتصدير المنتجات الوطنية، وزيادة كميات المناولة بالموانئ السعودية، إلى جانب الإسهام في الاستيراد المباشر من الموانئ العالمية، وتعزيز التبادل التجاري.
المصدر: الرياض - اقتصاد